أحمد بن محمد ابن عربشاه
574
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فرسم لتلك البغاة سلطانها أن يقطع من الرؤوس آذانها ، يقطعون من كل رأس أذنا ، ولتكن الآذان اليمنى فجدعوا آذان بعض الرؤوس وشكوها ، وفي خيوط سلكوها ، ثم في قلائد ربطوها ، وبعد ذلك ضبطوها فكانت نحو مائتي ألف أذن مجدودة ، وسبعين ألف أذن معدودة . وإنما ذكرت يا ملك الطير ؛ أمثال ما جرى من الشر والخير ، وجلوت عن مرآة ضميرك المنير صورة ما مر في الزمان المنير ، وما فعله من ملكه زمام الاقتدار ، وأمهله سلطان السلاطين الذي يخلق ما يشاء ويختار ، وصرفه في بلاده وعباده وبين له طريق صلاحه وفساده ، وأخبركم أيها الملوك والحكام بأموركم في دنياكم ، وجلا صور أحوالكم على أعين أبصاركم ، وبين مزاياكم في مراياكم ، فقال وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ [ الأنعام : 165 ] . فانظر ما في هذه السير من الحكم والعبر ؛ لتعلم أن الدنيا محل الغير ، ومحك العقول والفكر ، والحال بها هدف لسهام القضاء والقدر ، مبتلى بكل خير وشر ونفع وضر ، غافل عن مواقع الحذر آمن وهو على شرف الخطر ، مقيم وقد جدّ به السفر مناقش بما مضى من أنفاسه مما حلا ومر ، ومحاسب على ذوات ما اكتسبه ، مطالب بالفتيل والقطمير « 1 » مما ارتكبه . فلما وصل الحجل في الكلام إلى هذا المقام ، قبل العقاب بين عينيه وزاد قربه لديه ، وأفاض خلع الإنعام عليه وقال : صدق عليه أفضل الصلاة والتسليم حيث قال « كلمة الحكمة ضالة كل حكيم » « 2 » .
--> ( 1 ) أي مطالب بكل صغير وحقير . ( 2 ) الحديث : ذكره المتقى الهندي في كنز العمال ( 28936 ) وعزاه للعسكرى في الأمثال من طريق أبي هريرة رضي اللّه عنه بلفظ « كلمة الحكمة ضالة كل حكيم ؛ فإذا وجدها فهو أحق بها » .